Marshmallow_28254 🇪🇬
منذ يومين
.
شعور لا مبالٍ
جلسات نفسيه الجلسه الرابعه: "العاطفه" دخلتُ إليه هذه المرة والزهو يملأ صدري، كنتُ أشعر أنني "الجلاد" وهو "الضحية". لم أعد ذلك الحطام الذي يبحث عن ركنٍ يختبئ فيه، بل صرتُ العاصفة التي تهاجم سكون مكتبه، ارتميتُ على المقعد بمللٍ متعمد، وبدأتُ أراقب ملامحه لأرى أثر هزيمته في المرة الماضية. لكنه فاجأني. لم يكن هناك دفترٌ أمامه، ولا قلم، ولا حتى مكتب يفصل بيننا! كان قد نقل كرسيه ليصبح في مواجهتي تماماً، بلا حواجز، وبلا مظاهر "الوقار الطبي" المعتادة. قال بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل نبرةً جديده: "لقد هزمتني في المرة الماضية يا صديقي. لقد كان تحليلك لشخصيتي ولخوفي ولعجز مهنتي دقيقاً لدرجة الجرح. لذا، قررتُ اليوم أن نلعب بلا قواعد. لن أكون طبيباً، ولن تكون مريضاً. دعنا نكون مجرد روحين عالقتين في هذا العالم الموحش." في الحقيقه لم تزدني إزاحة المكتب وتغيير وضعية الكراسي إلا رغبةً في الضحك. هل يظن حقاً أن كسر الحواجز المادية سيكسر الحواجز التي بنيتُها بدمي وأعصابي عبر سنوات؟! من كل عقله جلس قبالتي بوضعية "الإنسان البسيط"؟!!، يوزع نظرات الصدق والشفافية كأنه قديسٌ عثر لتوّه على ضالته يالا غبائه!.. افهمه جيداً يريد للارتباك ان يغزو حصوني. يجردني من سلاح "الهجوم" لاستسلم. قلتُ له بلهجةٍ حاولتُ أن أبقيها حادة: "هذه خدعة جديدة، أليس كذلك؟ محاولة يائسة لاستدراج عطفي بعد أن فشلت في استدراج عقلي؟" ابتسم بمرارة، ونظر إلى كفيه الفارغتين: "لا.. إنها مجرد حقيقة. لقد قلتَ إنني أحتاج لمرضاك لأشعر بجدواي، وكان كلامك صحيحاً. أنا أيضاً خائف، وأنا أيضاً أرى هذا العالم يسير نحو الهاوية، وأنا أيضاً أرتدي هذا المعطف الأبيض كدرعٍ يحميني من اليأس. أنت تظن أنك الوحيد الذي يرى خلف الخيوط، لكن الحقيقة أننا جميعاً نرى، والفرق الوحيد أنك اخترت 'العدم'، وأنا اخترت 'المحاولة'. أخبرني.. هذا الانتصار الذي حققتَه عليّ، هل قلل من وجعك ذرة واحدة؟ هل جعل ليلك أقل وحشة؟" رمقتُه بنظرةٍ باردة، خالية من أي امتنان لهذا "التنازل" العظيم. مِلتُ بجسدي إلى الخلف، ووضعتُ قدماً فوق أخرى بزهوٍ مفرط، وقلتُ له وصوتي يقطر سماً: " 'روحان عالقتان؟'،'أقل وحشه'ما هذه اللغة الشاعرية الرخيصة يا دكتور؟ أهذا هو سلاحك الأخير؟ حين فشلتَ في 'تشخيصي' قررتَ أن 'تستعطفني'؟ أنت لا تريد أن تكون إنساناً معي، أنت فقط تحاول تخديري بهذا الهراء الوجودي لتجد مدخلاً لم تمنحك إياه كتبك. اعذرني.. فمشاعر 'الأخوة الإنسانية' لا تثير فيّ سوى الغثيان." صمتُّ. اري ما الذي بجُعبته لم يظهر بعد، ارتبك للحظة، لكنه حاول الصمود، مال نحوي وقال بصدقٍ يائس: "ألا تشعر بالتعب من هذا الدرع؟ ألا ترهقك هذه الشراسة؟ أنا فقط أحاول أن أقول إنني أفهم وجع الوعي الذي تعيشهـ..." قاطعتُه بحدة، ووقفتُ أمشي في الغرفة كفهدٍ يحاصر فريسته: "لا تدّعِ أنك تفهم! أنت 'تدرس' الوجع، أما أنا فـ 'أعيشه'. أنت تتقاضى أجراً مقابل كل ساعة تشعر فيها بالأسى من أجلي، بينما أنا أدفع من عمري ثمن كل ثانية وعي. محاولتك لمساواة وجعي بوجعك هي ذروة الغطرسة. أنت تملك طريقاً للعودة.. في نهاية اليوم، تخلع معطفك وتعود لحياتك، لزوجتك، لقهوتك، لسريرك الدافئ. أما أنا.. فأنا الوجع، والوجع أنا. لا يوجد 'خارج' أعود إليه." عدتُ وجلستُ أمامه، وجهي لا يبعد عن وجهه إلا إنشات قليلة، وهمستُ له بنبرةٍ أرعبته: "أنت تريدني أن أستسلم، أن أبكي، أن أعود لذلك الطفل الضعيف لكي تشعر أنت بالبطولة لأنك 'أنقذتني'. لكنني لن أمنحك هذا الشرف. سأبقى هكذا.. قوياً بخرابي، فخوراً بظلامي، ولن يلمس صدقُك المزيّف شعرةً واحدة من جبل الجليد بداخلي. أنت لست 'روحاً عالقة' معي.. أنت مجرد متفرج على حطام طائرة، معجبٌ بمنظر النيران، وتظن أنك بالحديث عن الدخان ستطفئ الحريق." تابَع وهو يميل اكثر نحوي، وعيناه تلمعان بشئٍ غريب: "أنت بارعٌ في تحطيم المرايا لأنك تخاف أن تلمح وجهك الحقيقي فيها. أنت تهزمني لكي لا تضطر لمواجهة نفسك. دعنا نتوقف عن القتال.. أخبرني عن المرة الأولى التي شعرت فيها أن الصدق عبء، وأن الوعي لعنة. أخبرني عن ذلك الطفل الذي قرر أن يصبح حجراً لكي لا يتألم مجدداً." تركت سؤاله الغبي معلق وانا ارمُق ساعتي ببرود، وقفتُ وهندمتُ ثيابي كأنني كنتُ في نزهةٍ قصيرة. وقبل أن أغادر، قلتُ له بلهجةٍ فاترة: "شكراً على 'الجلسة الإنسانية'.. لقد كانت مسلية بقدر ما كانت بائسة. في المرة القادمة، لا تحاول أن تكون صديقي، فالأصدقاء يموتون، أما الأعداء.. فهم من يبقوننا على قيد الحياة لنريهم مدى قوتنا." خرجتُ وظهري مستقيمٌ كرمح، تاركاً إياه خلفي يغرق في تساؤلاته، مدركاً أنني لم أعد مجرد مريض، بل أصبحتُ "اللعنة" التي ستلاحق ضميره المهني للأبد.
5
0