لم يكن اكتئابًا عابرًا، بل كأنك ارتبطتَ به؛ تعرفُ مواعيدَه، ويعرفُ ضعفكَ، تُخاصمه فلا يترككَ، وتحاولُ تركه فيعودُ كأنه بيتُكَ الوحيد. يؤذيكَ نعم… لكنه الوحيدُ الذي لا يطلبُ منك أن تتماسك، والوحيدُ الذي يسمحُ لك أن تسقط بلا تمثيل. الجميعُ يتصنّع. وهو وحده لا يتصنّع؛ يأتي كالجرعة لمن اعتادها، لا يسأل ولا يستأذن، يخفّف ويُثقل في آنٍ واحد. فتبقى معه لا حبًّا، بل لأنك لا تجدُ غيره يفهمك. ثم تسأل نفسك في لحظة صحو: “كم كانت النتيجة؟” كأن الحياة امتحانٌ، وأنت ناجحٌ في شيءٍ واحدٍ فحسب: الفشل. نصفُ العمر نخافُ أن نموت، ونصفه الآخر نتمنى أن ينقضي بنا. نركض خلف الأيام كأنها النجاة، ثم نختبئ منها كأنها مطاردة. نضحك في وجوه الناس، وفي اللحظة نفسها نفكر: لو حدث شيءٌ الآن فلن أحزن كثيرًا، ليس لأن الدنيا سيئة، بل لأنها غير كافية. ثمة فراغٌ داخلك أكبرُ من أي شيءٍ يمكن أن يملأه. وكلما حاولتَ أن تمضي، شعرتَ أنك تترك شيئًا خلفك؛ ليس شيئًا جميلًا، بل شيئًا حقيقيًا، حتى لو كان مؤلمًا. وتعتاد الصمت، وتعتاد الفراغ، وتعتاد ألا تريد شيئًا. فإذا اقترب منك أحد، بدا لك غريبًا: كيف يضحك بلا ثمن؟ كيف يحب بلا خوف؟ ثم تتذكر أنك كنتَ هكذا قبل أن “يفهمك” الألم، قبل أن يعلّمك أن لكل شيءٍ ثمنًا، وأن ثمنك الوحيد أن تعيش نصف حياة. لكن في لحظةٍ واحدة فقط، تتساءل: إن خرجتُ من هذه العلاقة… هل أجد شيئًا؟ أم أجد فراغًا أوسع؟ والسؤال أقسى من الإجابة؛ لأن الإجابة ليست مهمة، بل لأنك سألت. وسؤالك وحده يعني أن في داخلك نصفًا لا يزال يريد أن يعيش: نصفًا يخاف أن يفوته العمر، ونصفًا يحاول أن يتنفس. لسنا متناقضين… نحن فقط متعبون. نريد أن نعيش… لكننا تعلّمنا كيف نعيش في النقص، حتى صار الاكتمال نفسه شيئًا نخافه.