النفسُ إن لم تُدرِك أن الله هو الصاحب الحقيقي في هذه الحياة، ظلت تبحث عن الأُنس في الناس وحدهم، وعن الأمان في وجودهم، وعن القوة في قربهم، وستبقى خائفة كلما غاب أحد، أو تبدلت الأحوال، أو تغيّرت الوجوه. ولهذا ليس السؤال الحقيقي: من معك؟ بل: من الذي تستند إليه حين لا يبقى معك أحد؟ فالله هو الصاحب في السفر والغربة، والصاحب في الإقامة والاستقرار، والصاحب في أوقات القوة والضعف، وفي لحظات الفرح والانكسار. ومهما اجتمع حول الإنسان من أهلٍ وأصدقاء وأحباب، يبقى في داخله مكان لا يملؤه إلا الله، واحتياج لا يُشبعه إلا قربه، ووحشة لا يزيلها إلا أنسه، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى ملجأ يهرب إليه حين تثقل الحياة على قلبه، ويحتاج إلى صدرٍ آمن يضع فيه همومه دون خوفٍ من سوء فهم أو خذلان أو رحيل. وهنا تأتي صحبة الله. صحبة لا تنقطع بمسافة، ولا تتأثر بظرف، ولا تنتهي بخلاف، ولا يغيب صاحبها مهما تبدلت الأيام. فكلما ضاقت الدنيا، اتسع باب الله، وكلما أثقلتك الحياة، وجدت في ذكره راحة، وكلما شعرت أنك وحدك، تذكرت أن الله معك، يسمعك، ويراك، ويعلم ما في قلبك قبل أن تنطق به. ولهذا ليست الطمأنينة الحقيقية في كثرة من حولك، بل في يقينك أن الله معك. وليست القوة في أن تجد من يحمل عنك الطريق، بل في أن تستمد قوتك ممن بيده الطريق كله. فقد تمر عليك أيام تشعر فيها أن كل شيء مضطرب من حولك، لكن يكفي أن يعود قلبك إلى الله، حتى يستعيد شيئًا من سكينته، ويأخذ نصيبه من الأمان الذي لا تمنحه الدنيا لأحد. لذلك لا تجعل قلبك متعلقًا بصحبةٍ قد تغيب، ولا بأسبابٍ قد تزول، واجعل نصيبك الأكبر من الأنس بالله، لأنه الصاحب الذي لا يرحل، والسند الذي لا يضعف، والملجأ الذي لا يُغلق بابه أبدًا. اللهم إنك أنت الصاحب في كل خطوة، وأنت الأُنس في كل وحشة، وأنت الأمان في كل خوف، وإليك نلجأ في كل أمر. د. قمر ريشي
آمين