Apple_18848
🇪🇬
يشعر بـ آسفآسف

أنا شاب أبلغ من العمر 30 عامًا، وأكتب هذه الكلمات بعد سنوات طويلة من الصراع النفسي ومحاولات التماسك والصبر. لا أكتبها بحثًا عن الشفقة، وإنما لأوضح الصورة كاملة لمن يريد أن يفهم ما الذي أوصلني إلى الحالة التي أنا فيها الآن. منذ ولادتي وأنا أحمل ابتلاءً من الله في صورة تشوهات خلقية وظروف صحية احتجت بسببها إلى أكثر من 30 عملية جراحية وتجميلية على مدار سنوات طويلة. والحمد لله دائمًا وأبدًا على قضاء الله وقدره، فأنا مؤمن أن الابتلاء ليس عقوبة وإنما اختبار من الله. لكن أصعب ما واجهته في حياتي لم يكن الابتلاء نفسه، بل شعوري الدائم بأنني غير مقبول أو غير كافٍ في نظر أقرب الناس إليّ، وعلى رأسهم والدي. علاقتي بوالدي كانت دائمًا علاقة معقدة ومؤلمة. منذ طفولتي لم أشعر بالقرب أو الاحتواء أو الحنان الذي يحتاجه أي ابن من أبيه. لم يكن يسألني عن دراستي أو أحلامي أو ما أمر به، وكانت أغلب تعاملاته معي قائمة على النقد واللوم وإظهار التقصير، مهما حاولت أن أجتهد أو أن أثبت نفسي. كبرت وأنا أشعر أن أخواتي يحظين بمعاملة مختلفة مليئة بالاهتمام والاحتواء والضحك، بينما كنت أنا دائمًا الطرف الذي تُسلَّط عليه الأضواء عند الحديث عن الأخطاء أو التقصير. حتى أمام الأقارب كانت جلسات كثيرة تتحول إلى انتقاد لي بدلاً من دعمي أو تشجيعي. ورغم كل ما مررت به من عمليات وعلاج وصعوبات نفسية وجسدية، لم أشعر يومًا أن نظرة والدي لي تغيرت. كنت دائمًا أشعر أنه يراني أقل مما أنا عليه، أو غير مؤهل لتحمل المسؤولية، أو غير مؤهل للزواج، أو غير قادر على النجاح مثل الآخرين. وصل الأمر في بعض المواقف إلى الإيذاء الجسدي في طفولتي، وإلى التقليل المستمر من قدراتي، وإلى رفض أي خطوة أحاول اتخاذها للاستقلال المادي أو المهني. كنت أشعر أحيانًا أن المطلوب مني أن أظل تحت السيطرة الكاملة دون أن يكون لي رأي أو قرار أو مساحة خاصة بي. وفي المقابل، كنت أرى أشخاصًا من خارج الأسرة يقدرونني ويحترمونني ويثنون على أخلاقي وشخصيتي وقدراتي، وهو ما كان يزيد حيرتي أكثر: لماذا أجد القبول والتقدير من الغرباء ولا أجده من أقرب الناس إليّ؟ ومع مرور السنوات، لم تكن معاناتي مقتصرة على البيت فقط، بل امتدت إلى المجتمع أيضًا. فبسبب ظروفي الصحية كنت أواجه أحكامًا مسبقة من بعض الناس قبل أن يعرفوا شخصيتي أو أخلاقي أو قدراتي الحقيقية. عانيت في البحث عن عمل رغم خبرتي في مجال الكمبيوتر ودراستي للبرمجة. وعانيت أكثر في موضوع الزواج، حيث كنت أُرفض أحيانًا قبل أن تُتاح لي فرصة التعارف أو الحديث أو حتى الجلوس مع الطرف الآخر. وكأن بعض الناس لا يرون الإنسان نفسه، بل يرون فقط شكله أو ظروفه الصحية. ورغم أنني أملك شقة، ولدي مصدر دخل وخبرة عملية وأسعى لتطوير نفسي باستمرار، كنت أجد أبوابًا كثيرة تُغلق قبل أن أُمنح فرصة عادلة لإثبات نفسي. وسط كل هذا التعب النفسي، دخلت حياتي فتاة شعرت معها لأول مرة بشيء من الراحة والطمأنينة. كنت أعرف أسرتها منذ سنوات طويلة، وأحترم والدها جدًا، وكانت بيننا علاقة قائمة على الاحترام والثقة. ومع الوقت بدأ التواصل بيني وبينها يزداد، وأصبحنا نتحدث بشكل شبه يومي. كان بيننا كلام لطيف، وضحك، واهتمام، وراحة نفسية افتقدتها لسنوات طويلة. وجودها في حياتي أحدث فرقًا حقيقيًا بداخلي. أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر تفاؤلًا، وأكثر قدرة على مواجهة الضغوط. حتى الطبيبة النفسية التي كنت أتابع معها لاحظت هذا التغيير وسألتني عن سببه. لأول مرة شعرت أن هناك شخصًا أرتاح للكلام معه، وأشعر بالأمان النفسي في وجوده. ومع مرور الوقت اكتشفت أن مشاعري تجاهها لم تعد مجرد إعجاب، بل أصبحت حبًا حقيقيًا ورغبة صادقة في الارتباط بها بشكل رسمي ومحترم. لذلك صارحتها بمشاعري بكل وضوح، وأخبرتها أن هدفي منذ البداية كان الزواج إذا استقرت ظروفي بشكل كامل. تحدثنا بهدوء واحترام، وأوضحت لها أنني لا أريد الضغط عليها أو إجبارها على أي قرار، وأن لها كامل الحرية في التفكير والاستخارة والاستشارة. لكن بعد فترة من الانتظار والقلق والترقب، جاء ردها النهائي بالرفض. الرفض في حد ذاته كان مؤلمًا، لكن ما جعل الألم أكبر هو أنني كنت أرى فيها أملاً كبيرًا بعد سنوات طويلة من الوحدة والرفض والصعوبات النفسية. كنت أعتقد أنني أخيرًا وجدت شخصًا يراني كما أنا، بعيدًا عن أحكام الناس المسبقة ونظرتهم للظروف الصحية أو الشكل أو الماضي. وعندما انتهى الأمر بالرفض، شعرت وكأن آخر مساحة أمان كنت أتمسك بها قد اختفت. اليوم أجد نفسي منهكًا نفسيًا من كل الاتجاهات. متعب من سنوات طويلة من الصراع داخل البيت. ومتعب من نظرة بعض الناس لي في المجتمع. ومتعب من صعوبة إيجاد عمل يقدر قدراتي. ومتعب من محاولات الزواج التي تنتهي غالبًا قبل أن تبدأ. ومتعب من تجربة عاطفية تعلقت بها نفسيًا وانتهت بالرفض. أصبحت أشعر أحيانًا بوحدة شديدة، وبفراغ كبير، وبأنني أحارب في أكثر من جبهة في الوقت نفسه. ورغم كل ذلك، ما زلت متمسكًا بإيماني بأن الله لا يضيع تعب أحد، وأن ما مررت به لا بد أن يكون له معنى وحكمة، وأن العوض الحقيقي من الله قادر أن يغير حياة كاملة في لحظة. أنا لا أبحث عن شفقة من أحد، ولا أطلب من الناس أن يحملوا عني أعبائي، لكنني أتمنى فقط أن يُنظر إليّ كإنسان كامل، له مشاعر وأحلام وطموحات وحق طبيعي في الحب والاحترام والعمل والزواج والاستقرار، تمامًا مثل أي إنسان آخر. وربما أكون اليوم محطمًا نفسيًا أكثر من أي وقت مضى، لكن ما زلت أحاول التمسك بالأمل، لأنني مؤمن أن رحمة الله أكبر من كل ما مررت به، وأن الفرج مهما تأخر فهو آتٍ بإذن الله.

لا يمكنك رؤية أي نصيحة في هذا المنشور لأن الناشر اختار تلقي النصائح بشكل خاص. إذا كنت ترغب في مشاركة نصيحتك، اكتبها ببساطة في المربع أدناه.