الي مجهول مرحباً بكَ.. أكتب إليك اليوم وأنا أمارس طقسي المفضل في الاغتراب عن العالم. وضعتُ سماعاتي، وتواطأتُ مع أغنية قديمة على عزل هذا الصخب كله. الأغنية التي تنساب الآن في أذني ليست مجرد نغمات؛ إنها آلة زمن بشعة، ترتطم بقلبي لتعيد ترتيب تفاصيل الحنين بالداخل، وتنبش في خلايا الذاكرة عن ملامحك التي لم تبصرها عيناي بعد... من خلف زجاج هذا المقهى، أراقب البشر وهم يركضون. لقد جرّدتهم الموسيقى من أصواتهم، فبدا لي العالم فجأة مسرحاً عبثياً شاحباً. أرى أفواهاً تفتح وتغلق، أيدي تلوّح بانفعال، ووجوهاً يملؤها قلق غريب على أشياء ستفقد قيمتها حتماً بعد حين. يبدون غريبين جداً ومضحكين في ركضهم المحموم وراء اللاشيء. أنظر إليهم وأتساءل بمرارة: كيف يملكون القدرة على الغرق في تفاصيل هذه الحياة المبتذلة، في الوقت الذي أقتات فيه أنا على فكرة غيابك؟ اتضح لي أن أفعال الناس تبدو تافهة ومثيرة للشفقة حين تتأملها من مسافة الفقد العالية. الغياب منحني عينين لا ترى سوى حقيقة الأشياء أن كل هذا الزحام عابر، وأن العزلة هي الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب. و رويدا رويدا.. تحولت حركة البشر أمامي إلى رقصة عشوائية جوفاء على إيقاع حنيني الطاغي إليك. لقد تبرأت من ضجيجهم اليوم، وقررت أن أتحصن بذكراك المتخيلة. ما نفع أصواتهم المعقدة إن لم تكن أنت المتحدث؟ وما جدوى ركضهم إن لم تكن أنت وجهة الوصول؟ أنا هنا.. أتأمل الدنيا وهي تمضي في غيابك برتابة موجعة، وأنتظر اللحظة التي تنتهي فيها هذه الأغنية، وينتهي معها هذا الوجود المؤجل. كن بخيرٍ أينما كنت.. واعلم أنني هنا، ما زلتُ أقتطعُ من عمرِ الأيامِ دقائقَ هادئة،. أخبئها لزمنٍ يجمعني بك.
مكسل اقرأ والله